“إنتاجية الحياة” كمقاومةٍ لـ”إنتاجية الموت” الرأسمالية

تقلقني مؤخرًا الدعوات المتزايدة للتخلّي عن مفهوم “الإنتاجية” (productivity) بصفتها ركيزةً من ركائز الرأسمالية ورواسبها، لا لأنّ تلك الدعوات تخلو من الحقيقة تمامًا، بل لأنها قد لا تقدّم صياغةً كلّيةً ومصقولةً ونقديةً لهذا المفهوم، وبالتالي قد تحمل نفسًا انهزاميًا واستسلاميًا لا أحبّذه، ولا أراه “منتِجًا” سياسيًا ولا بنّاءً على صعيد الذات الفردية. وما يقلقني أيضًا، ترويج البعض لرفض الإنتاجية ونبذها كأداةٍ لمقاومة الرأسمالية، على الرغم من إدراكي التام بأنّ شكل الإنتاجية والقدرة عليها محكومةٌ بالموقعيّات المختلفة للأفراد عبر مصفوفات الجندر، والطبقة، والعرق، والمكان الجغرافي، والسّن، والقابلية الجسدية والحالة النفسية، لكن ذلك نقاشٌ أعمق أودّ لنا الدخول فيه بمشاركة أصواتٍ أخرى من المعنيّين/ات. لذا، أشارك أدناه بإيجازٍ بعض الأفكار عن استعادة الإنتاجية من براثن الثقافة الرأسمالية، كجزءٍ من حلمنا الأكبر باستعادة العالم بأسره من بين فكّيها.

بدايةً، ليست هذه دعوة لإرغام أحدٍ على “الإنتاج” بغض النظر عن قدراته/ا أو ظروفه/ا، بل هي دعوة لصياغة فهمٍ وممارسةٍ للإنتاجية، تكون بديلةً وأكثر مرونةً وإنسانيةً وأخلاقًا وعُمقًا من تلك التي تروّجها الرأسمالية. إنها دعوةٌ لابتكار واعتناق إنتاجيةٍ تنطلق من الفضول تجاه الذات والآخر، ومن التضامن مع الذات والأخرى؛ إنتاجية متنوّعة ومتعدّدة الأشكال والأدوات والغايات، تشبه تنوّعنا واختلافنا كأفرادٍ وتصبّ في خيرنا الجَمعيّ متنوّع الأوجه.

وبدايةً أيضًا، ليس الهدف هنا الترويج لمفهومٍ مشوّهٍ من الإيجابية السطحية والسعادة الفارغة المُعدّة للاستهلاك في شكل ثيابٍ أو برنامجٍ رياضي مدفوع الثمن أو سفرةٍ باهظة. بل الهدفُ استكشاف إنتاجيةٍ لا تغوص فقط في جمال الحياة ومباهجها (وإن كان هذا جميل ومهمّ)، بل أيضًا في آلامنا وهواجسنا ومخاوفنا الفردية والجمعيّة، لتقدّم نقدًا وحلولًا وتصوّراتٍ بديلة عمّا أتاحته وتتيحه لنا الرأسمالية المُعَولمة. إنه عملٌ جذريّ لم يُفسَح لجيلنا تحديدًا الوقت والفرصة لإنجازه قبل هذا الحظر الذي فرضَته الطبيعة، وجُن جنون الرأسمالية بسببه باعتباره عطّل “الإنتاجية”، التي تعني في مفهومها الميكانيكيّ إنتاج الربح والربح فقط.

وكما يمكن للرأسمالية أن تجنّد مفهوم “الإنتاجية” لصالحها، يمكننا نحن استعادته وإعادة صياغته كأداةٍ للمقاومة. لقد اعتدنا في ظلّ النظام العالمي التالي للحرب الباردة، على إنتاجيةٍ بدنيةٍ و/أو فكريةٍ و/أو عاطفيةٍ غايتها إفادة قلّةٍ قليلةٍ ممّن يمتلكون موارد الكوكب ورؤوس أمواله، ما دفع بنا إلى الاغتراب عن ذواتنا ومجتمعاتنا وروحنا الجَمعيّة، وإلى نوعٍ من الوحدة المؤلمة التي ما انفكّت تزيد أبداننا وأرواحنا تعبًا وألمًا ويأسًا. إنها “إنتاجية الموت” لا “إنتاجية الحياة”. فهدفها حرماننا من الوقت والطاقة والموارد اللازمة لنموّنا كأفرادٍ ولقدرتنا على التنظيم السياسي الفعّال، خدمةً للتمدّد الرأسمالي وثقافة “حب الذات” الخرقاء التي تحاول عبثًا صناعة الفرح عبر استهلاك السّلع أو التجارب. وليس مستغربًا إفقار وإفراغ وتهميش مجالات الفنون والعلوم الإنسانية في العقود الماضية لصالح التخصّصات والمهن “المنتجة” وفقًا للتعريف الرأسمالي (أي المنتِجة للربح المادّي). فالرأسمالية لا تستثمر فقط في الموارد المادّية والبشرية، بل أيضًا في الموارد الأيديولوجية والمعرفية من أجل ضمان استدامة “إنتاجية الموت”، وخنق أيّ نتاجٍ فكريٍ وعاطفي يتحدّى ذلك المفهوم أو يهدّده.

لطالما جهدت الرأسمالية للتحكم بطريقة استهلاكنا للزمان والمكان، وتوجيهنا نحو الاستهلاك المربح وغير المُهدَّد لها، مثل تعزيز ثقافة ارتياد المولات والتبضّع كنشاطٍ مهيمنٍ في عطل نهاية الأسبوع، بالتزامن مع تضييق المساحات العامة المجانية والشواطئ المفتوحة للجميع. هكذا، تستوطن “إنتاجية الموت” زماننا ومكاننا حتى خارج “زمان” و”مكان” العمل المُفترضَين، ليتّخذ فرحنا ومتعتنا شكلًا بالغ الفردانيّة والطبقيّة والاستحواذ والتنافس، أي بمعنًى آخر، شكلًا ميتًا وغير منتِجٍ للحياة.

بناءً عليه، وبما أننا الآن نعيش فترة حظرٍ استهلاكي، وبدلًا من أن نتداعى لاعتناق “عدم الإنتاجية” تحديًا للرأسمالية، ربما بإمكاننا إعادة صياغة طريقة استهلاكنا أو استثمارنا للزمان والمكان ولشكل إنتاجيّتنا وغاياتها، كأن نوجّهها باطنيًا لمعرفة وخدمة ذواتنا بدلًا من خدمة رأس المال الخارجي، وأن نجعلها أكثر جَمعيةً منها فردانيةً، عن طريق تشارك السّلع والتجارب والأفكار، والتنظيم الجماعي، وخلق البدائل المتشارَكة.

وبما أنّ الشّخصي هو السياسي والسياسي هو الشّخصي، فإن تعزيز العمق الذاتي فعليًا – لا عبر مفاهيم حبّ الذات الاستهلاكية الهادفة دومًا إلى بيعنا منتجًا ما – يصبح أمرًا أساسيًا في مقاومتنا الفردية والجماعية ضد المنظومة المهيمِنة. نعم، أنا من دعاة “إنتاجية الحياة” المتجدّدة والمبتكَرة دومًا، والتي حتمًا لا تعني فقط “العمل مدفوع الأجر” و”العمل غير مدفوع الأجر” الذي تعتبره الرأسمالية “غير منتِج” مباشرةً في عملية مراكمة الربح، كالعمل المنزليّ مثلًا (الذي تقوم بمعظمه النساء والفتيات*). فالقراءة أو التأمّل أو ممارسة الرياضة لساعةٍ يوميًا هو عملٌ منتِجٌ إذا ما وضعنا في تماسٍ حقيقيٍ وعميقٍ مع ذواتنا، وزراعة الخضروات على شرفاتنا هو عملٌ منتِجٌ إذا ما منحنا نوعًا من “الأمن الغذائي”، وتعلّم مهارةٍ أو هوايةٍ جديدةٍ هو عملٌ منتِجٌ إذا ما وسّع آفاق حماستنا وسعادتنا وسلامنا الداخلي، ومساعدة جارةٍ مسنّةٍ هو عملٌ منتِجٌ إذا ما خلق دائرة تضامنٍ ودعمٍ بين منزلَين أو أكثر.

“إنتاجية الحياة” هي تجربةٌ ثريةٌ وجوهريةٌ وشخصيةٌ وسياسيةٌ بكلّ ما للكلمة من معنى. لذا، ينبغي ألا نسمح للرأسمالية باحتكارها وتفريغها كما سبق لها أن احتكرت وفرّغت أدواتنا التنظيمية الذاتية والجَمعية الأخرى التي عبرها نصنع فرحنا وسلامنا الفردي والجَمعي في وجه “إنتاجية الموت” الرأسمالية.

ختامًا، عليّ الاعتراف بأنّي كلّما كتبتُ عن المسألة، تنتج في ذهني أسئلةٌ وطروحاتٌ جديدةٌ لا أملك كلّ الإجابات عليها. فلنفكّر معًا.


* Federici, Silvia. Wages Against Housework. 1975: https://thecommoner.org/wp-content/uploads/2019/10/04-federici.pdf

One thought on ““إنتاجية الحياة” كمقاومةٍ لـ”إنتاجية الموت” الرأسمالية

  1. شكرا على فتحك لهذا النقاش الهام، والذي يتخطى كونه نقاشًا ليصير دعوة لمنهج خاص للإنتاجية كما وضحته أنت وهو في الحقيقة دعوة لممارسة الحياة بفاعلية غير مرهقة للنفس. بالتأكيد تضعنا الرأسمالية في مضمار للركض منذ فكّرنا بدخول معترك الانتاجية المؤذي إياه، ولكن هناك مضمار آخر خالٍ تماما من روّاده وهو ما سميته أنت “إنتاجية الحياة”، نعم مهما زاد معدل انتاجيتك الرأسمالي فإنه لن يعوض نقص انتاجيتك التي تقربك أكثر من ذاتك والآخرين. وهو ما يولّد شعورًا بالتأخر والنقص والعجز. أربكتني أيضًا الدعوات الأخيرة لاحتقار الانتاجية بالعموم، وكدت أنجرف معها لولا فكّرت بأنني محتاج فعلًا لهذه الفترة للتركيز أكثر على ما أود فعلًا تقويته وتعزيزه والعمل عليه، أشياء لن ينصحني أحد بها في إيميل رسمي ولكنها أشياء لطالما كانت في مؤخرة رأسي تدفعني للجنون أحيانًا. فيمكن النظر للعطلة التي تصيب انتاجية العالم بشكل إيجابي نعم، ولكنها لا يجب أن تعطلنا عن الانتاجية التي لطالما أردناها. أفضل ما في الأمر هو أن الانتاجية الزائفة توقفت وحان الوقت للمنتجون “الحقيقيون”.. لا؟

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s